يزيد بن محمد الأزدي

443

تاريخ الموصل

--> فقال : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا الآية . فالسلطان يا بنى ، حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه القيم ، فاحفظه وحصنه وذب عنه وأوقع بالملحدين فيه ، واقمع المارقين منه واقتل الخارجين عنه بالعقاب ، ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن ، واحكم بالعدل ولا تشطط ؛ فإن ذلك أقطع للشغب ، واحسم للعدو ، وأنجع في الدواء ، وعف عن الفيء ؛ فليس بك إليه حاجة مع ما خلقه الله لك ، وافتتح عملك بصلة الرحم وبر القرابة ، وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية ، واشحن الثغور ، واضبط الأطراف ، وأمن السبل ، وسكن العامة ، وأدخل المرافق عليهم وادفع المكاره عنهم ، وأعد الأموال واخزنها ، وإياك والتبذير ؛ فإن النوائب غير مأمونة ، وهي من شيم الزمان ، وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت ، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد ؛ فتتدارك عليك الأمور ، وتضيع جد في أحكام الأمور النازلات في أوقاتها أولا بأول ، واجتهد وشمر فيها ، وأعد رجالا بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار ، رجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل ، وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل ، واستعمل حسن الظن بربك ، وأسئ الظن بعمالك وكتابك ، وخذ نفسك بالتيقظ ، وتفقد من تثبت على بابك ، وسهل إذنك للناس ، وانظر في أمر النزاع إليك ، ووكل بهم عينا غير نائمة ونفسا غير لاهية ، ولا تنم ، وإياك فإن أباك لم ينم منذ ولى الخلافة ، ولا دخل عينه الغمض إلا وقلبه مستيقظ ، هذه وصيتي والله خليفتي عليك » . ثم ودعه وبكى كل واحد منهما إلى صاحبه ، ثم سار إلى الكوفة ، وجمع بين الحج والعمرة ، وساق الهدى وأشعره وقلده لأيام خلت من ذي القعدة ، فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي مات به وهو القيام ، فلما اشتد وجعه جعل يقول للربيع : بادرني حرم ربى هاربا من ذنوبي ، وكان الربيع عديله ووصاه بما أراد ، فلما وصل إلى بئر ميمون مات بها مع السحر لست خلون من ذي الحجة ، ولم يحضره عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاه ، فكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه ، ثم أصبح فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون ، وكان أول من دعا عمه عيسى بن علي ، فمكث ساعة ثم أذن لابن أخيه عيسى بن موسى ، وكان فيما خلا يقدم على عيسى بن علي ، ثم أذن للأكابر وذوى الأسنان منهم ، ثم لعامتهم ، فبايعهم الربيع للمهدى ولعيسى بن موسى بعده على يد موسى الهادي بن المهدى ، فلما فرغ من بيعة بني هاشم بايع القواد ، وبايع عامة الناس ، وسار العباس بن محمد ومحمد بن سليمان إلى مكة ؛ ليبايع الناس ، فبايعوا بين الركن والمقام ، واشتغلوا بتجهيز المنصور ففرغوا منه العصر ، وكفن وغطى وجهه وبدنه وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه ، وصلى عليه عيسى بن موسى ، وقيل : إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، ودفن في مقبرة المعلاة ، وحفروا له مائة قبر ؛ ليغموا على الناس ، ودفن في غيرها ، ونزل في قبره عيسى بن علي ، وعيسى بن محمد ، والعباس بن محمد ، والربيع والريان مولياه ، ويقطين . وكان عمره ثلاثا وستين سنة ، وقيل : أربعا وستين ، وقيل : ثمانيا وستين سنة . فكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا أربعة وعشرين يوما ، وقيل : إلا ثلاثة أيام ، وقيل : إلا يومين . وقيل في موته : إنه لما نزل آخر منزل بطريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزل فيه فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت * سنوك وأمر الله لا بد واقع أبا جعفر هل كاهن أم منجم * لك اليوم من حر المنية مانع وأحضر متولى المنازل ، وقال له : آلم أمرك ألّا يدخل المنازل أحد من الناس ؟ قال : والله ما